صحيفة الديوان

هذا ما تعلمته من معلمي “دوستويفسكي” بقلم : علاءالدين كويدير

قبل كل شيء أريد أن أقول أنّي أحبُّه حبَّ المعلم لا حبِّ القارئ للكاتب، حيث أني وبصراحة لا ترحم أحاول جاهدًا أن أغوص في عالمه بكل ما أحمل من أدوات النجاة، في أسلوبه قبل فكره، في سرده قبل تحليله، في هذه المقالة سأتحدث عنه لكني سأقتصرُ فقط على الذي تعلمته من هذا الإنسان اليم في الجانب القصصي والرّوائي، وأعلّق باقي الجوانب إلى حين إشعار آخر عملًا بمبدأ التّخصصيّة أولًا، وشعوري بأن هذه الزّاوية لم تحك مثلما أحبّ، أو أن لدي ما يحكى بهذا الصدد، ألا وهي “فيودور الكاتب” شخصيًّا، وسأحلل قدر مقدرتي حتى أطبع مقالي بالطابع الدوستيفسكي، محاولًا أن أنال لقب الطّالب النجيب في خوضي هذا.

ما تعلمته من فيودور العظيم واستطعت اتباعه في قصصي هو “تكبير الحدث داخليًّا” أي أنَّه ليس بالضرورة أن تكون لدينا أفكار عملاقة لبناء قصة قصيرة أو رواية، وليس بالضرورة أن نقتل أم البطل أو زوجته أو نضربه بداء لعين، الحدث يمكن أن يبنى بكلمة علقت في ذهن البطل أو موقف مثلما حدث مع “ديميتري كارامازوف” أو والده “فيدور” ويمكن أن تغير مجرى الرواية بكلام مثل كلام “زوسيما” الواعظ فتحدد مجرايات الرواية .. أبطال رواية “الأخوة كارامازوف”
في رواية السارق الشريف.. كان السارق يعذب ويسكر حتى ينسى أنّه سرق سروالًا -حدث بسيط- ، ولكن يتجلى إبداع دوستيوفسكي في تبعيات هذا الحدث الذي أوصله إلى الموت.
وهذا الأمر لا يعني أن لا يكتب الكاتب أحداثًا كبيرة في روايته أو قصّته، بل يعني أنّ القصة يمكن أن نجدها عالقة في دُردِيّ القهوة ويمكن أن نجدها على حافّة النهر.
“الحدث بسيط والمعنى عميق”

من تكنيك دوستيوفسكي أيضًا والذي تميّز به وهرمُ الإبداعِ لديه
هو أنّ القصّة لديه تتحدث عن بطلها لا الكاتب شخصيًّا.. بمعنى أن التطور والتدهور يظهر على الشخوص بصورة جلية من دون أن يجهد الكتاب في قولها، وحسبي أن هذا يرجع لقدرته على تقمص الشّخوص.
في رواية “المراهق” مثلًا -وأظنها أكثر أعماله صعوبة- تتبعنا حياة وتقلبات مراهق واحد فقط -أركادي- في أكثر من تسعُ مئة صفحة دون كللٍ ولا ملل، شاهدنا تلقباته ونزواته وشاهدنا قبل كل هذا تطوره دون أن ينوّه عليه الرّاوي، كان أركادي يكبر بصوة واضحة حيث أنّه يفكر في المجلد الثّاني أفضل من المجلد الأوّل.. يتحدث بصورة لائقة أكثر فيفهم القارئ أن العمر مر بمواقفه وتجاربه من فوق أركادي واخترقه اختراقا دون أن ينبس الكاتب بهذه الفكرة.
أنا مغرم بهذا الرجل لا أنكر هذا، قد يكون هذا الذي ذكرته أمرًا بسيطًا لأي كاتب كبير، قد يكون شيئًا لا يذكر، ولكنني سعيد بتعلّمه من هذا المعلم تحديدًا، إنّني أحب دوستويفسكي ليس لقوة سرده ولا لقدرته على تصعيد للأمور في رواياته بالشكل الذي يصعب على الكثيرين اتباعه، وإني لأعرف أنه عظيمٌ جدًا في هذه الأمور، لكني أؤمن بأن هناك العديد من الكتّاب يقاربونه في المستوى أو ربما هم خيرٌ منه أيضًا. لكني أحبُّه كل الحبِّ لأنه صادق، ألا إنه أكثر الكتاب صدقًا مع نفسه ومع القراء في تاريخ البشرية.