صحيفة الديوان

أحاد.. عشرات.. مئات.. بقلم : هاني هويدي

أحاد
عشرات
مئات..
كان يعلمني أبي الفرق بين الخانات، وأنا على وجه السرعة أحاول حفظها فقط لأنه وعدني بأنه سيشتري لي كرة إذا نجحت في ذلك.. كنتُ أنطقها حشرات، كان يضحك عليها كثيرًا، ينهاني ويُعيد قراءتها لي، و يقول كـ المعتاد أريدك طبيبًا “نبيلك بالطو أبيض”..

نلعب أمام غرفته، نتسابق في رفع أصواتنا كي يستيقظ، كنت أدخل خلسة وأسرق دينارًا من معطفه وأرميه على الأرض، وعندما يستيقظ أتظاهر أمامه بأنني قد وجدت نقودًا، كان يضحك لأنه كشف حيلتي، يضحك لأن الأمر تكرر كثيرًا، لكنه يمنحني متعة الانتصار ويتظاهر بأنني قد نجحت في خداعه ، ويقول بكل ما يحمله العطف من معنى
“أصحيحة”..

كان حريصًا على أن أحفظ الدرس، يكررها كي أفهم،
أحاد
عشرات
مئات..
من المرات التي زُرنا فيها قبره، نرفع أصواتنا ونصرخ، نحاول إزعاجه لعله يستيقظ ككل مرة، لكنه لم يسمعنا، إن الغيمة التي تأتي فوق قبره تُمطر من أعيننا، في صغري كنتُ أظنه ذاهبًا في رحلة وسيعود، كُنت إلى أن كبُرت وأيقنت أنه لن يستيقظ…

أحاد
عشرات
مئات..
من الأيام تمضي وتُبعدني عن ذلك اليوم، عن آخر لقاءٍ بيننا، هذه الدنيا مليئة بالمعاطف والنقود، لكنها من دون أب يكتشف أمري، يُهديني عطفه قبل ماله ، وإلى الآن في خزانته لا يزال يعيش معطفٌ مُفلس، يحاول معانقتنا كلما فتحنا عليه الباب، بينما نحن مفلسون أمامه نحاول مِلأ جيوبنا بالفرح، وتخيب أمالنا عندما نجده فارغًا من صاحبه..