صحيفة الديوان

يا معاندة بقلم : هبة بن سعود 

ودي نشوفك وتشوفيني ونبرم بيك الكون ونشفى…

ودي يا حبي تلاقيني لو مرة حتى بالصدفة…

 

يا شبيهة الورد، بهتت آخر لوحة رسمتها لك، فبعد سفرك وتركك لبنغازي، تركتها هي الأخرى تصارع ويلات الأيام مثلي، وصرت مشغولًا بالاشتياق، تركت تلك اللوحة بالقرب من نافذة غرفتي، تغازلها الرياح حينًا، وأحيانًا أخرى أجدها مكسوة بالغبار، فأنفضه عنها وتلتصق ملامحك بحبات الغبار وترحل، أحاول جاهدًا أن أمسك بها بريشتي حتى أرسمها مرة أخرى دون جدوى..

ذات مرة، كنت جالسًا في الحافلة لتقلني إلى وسط البلاد، كان ‘ المرسكاوي يربخ’، ورائحة العرق تفوح من مكان ما هنا، وهناك عجوزٌ جالسة على طرف كرسي تآكل عمره، يظنها الرائي لأول وهلة وكأنها أغصان شجرة ميتة، تمسك جردها بفمها وتنظر إلي دون أن يرتد لها طرف، شاخصة ثابتة كأنها صورة فوتوغرافية، ألف حكاية ترويها عيناها، أما عقلي فكان هائمًا فيك، كنت أراكِ في كل ما هو أمامي، حتى الأغنية التي كان يشغلها صاحب الحافلة كنتِ فيها ” يا معاندة يا معاندة “..

تذكرتك عندما قالها وكأنما به ينطق اسمك، أنت التي خلقتِ من عناد.

تلك العجوز تنظر لي لبرهة، ثم تبصق على الأرض وتشيح بنظرها بعيدًا، هذه المدينة مليئة بالأشخاص غريبي الأطوار، وما إن توقفت الحافلة وهممت بالنزول، حتى أمسكت يدي يدٌ كأنها في ملمسها لوح مهترئ وإذ بها تلك العجوز، وقالت لي : معليش يا وليدي راه اسم الله علي، ربك خذا نظري وما عاد قعدت نحق في بصيرة..

فأنزلتها وأوصلتها إلى وجهتها المنشودة، تجلس بالقرب من سوق الجريد دائمًا، لتقرأ الطالع والحظ، فسألتها كيف ذلك وأنت كفيفة، فأجابتني :

“العمى عمى القلب موش العين..

وأنت قاعد هنا لكن حبيبك وين..

عاندك وعدى خذوه ناس أخرين..

سافر بعيد وخلاك بروحك حزين..

والعمى عمى القلب موش العين..”

بعد تلك اللحظة يا شبيهة الورد، تركت يد العجوز ومشيت ‘ على قصاد وجي’، و لم أجد نفسي إلا واقفًا أمام البحر، أبث له شكواي وأتذكر اللحظة التي تركتني فيها قائلة :

نا نصبر نصبر، لكن على حاجة مسقمة، مش على واحد ما عنده حتى مليم وراس ماله ريشة يرسم بيها، خليها تنفعك…

لطالما ركعت أمامك أستجدي قربك وصبرك علي حتى أقف على قدمي ونتزوج، لكنك تصرين على عنادك وترفضين..

ورجعتِ تريدين القرب، لكن هيهات، اليوم ترجعين بعدما وقفت وحدي..

اليد التي لا تمسك بك عندما تكون ضعيفًا، لا تصلح لأن تكون بالقرب بتاتًا، وأقول لك رغم بكائك ورغبتك في العودة، أن من المستحيل أن نكون معًا..

“وأنت تعاندي في من..

أنت تعاندي في الي عليك يحن..

درتك حبيبة وخاب فيك الظن..

واليوم تبكي والبكاء ما فاد..”..