الأخبار

عندما انتفضت شفتاي .! بقلم : محمد ساسي العياط

لطالما أحببت لعبة “الغُميضة ” تجري في كل اتجاه باحثا عن مخبإٍ، فوق شجرة، خلف مزهرية، تحت سرير أو من وراء بابٍ تتلصصُ النظرات، تَسترق الأصوات، تخالجك خطوات الباحث المشرئبة بعد أن أنهى العدّ التصاعدي، تنظر لصديقك الماكث هناك بالقرب، تتسرب هستيريا الجنون ما إن يصل صديقكم الباحث، يصدر غيركما صوتا دالاً على نجاته، يتظاهر الباحث بالعودة، يسابق الذي بالقرب منك خطواته وينبلج من مخبئه، أنت لا تنبس بحرف، عيناك تختلجان، تسري برودةٌ ما، يتربص الباحث خلفكما بالقرب، تهِمُّ بالخروج، وتتفاجأُ بالباحة وقد أُلقيَ القبض على خالد، سمير الذي نجا يضحك متشمتاً، تنفس أحمد الصعداء لأنه لن يعيد البحث فيكفيه القبض على خالد، أنت تتخللك الرغبة، تستهويك العظمة، فأنت المختبئ الأخير، أنت الملك الذي لم يتوّج .

مرّ الليل بطوله، أحمد وخالد وسمير يبحثون عنك، تُراك ماذا تفعل، انتابهم القلق، غادر سمير وأحمد المزرعة، متجهين لطلب المساعدة، خالد … يراوده الخوف، وقد قُذف بسهم من البرد لقلبه أنت … ! لِمَ غيرتَ مخبأك لمَ لمحت تلك الأوراق المخبّأة وبدأت تقرأ في صمت، رسائل صديقكم الراحل، لم تكن بالرسائل، لقد كانت أوراقا ممزقةً من دفتر يومياته، لماذا كانت الأوراق سوداء النفحة، لمَ كل ذلك الألم، .. جلست القرفصاء، توسّدت ركبتيك المرتعشتين، حضنتهما بذراعيك تارةً، وتارةً كنت تمسك برأسك المتصدع، تحاول إسكات ذلك المارد، هربت مسرعا نحو قنّ الدجاج، الأوراق عالقة بيدك، كيف استطاع صديقكم كبت كل تلك الأمور، وأنت الآن تتملكك الأمور، تشيح بنظرك يمنةً، تمتد أيادٍ من الأوراق لقلبك، تهلع مجددا، يصدر قنّ الدجاج ضجةً رغم نومه، ينتبه لها خالد، يدخل مسرعا وبيده مصباح يدوي، و رداءٌ شتوي يحمله بذراعه لك، ذراعه ترتعش رغم دفئها .. لكن لا أحد.

خالد .. وحده يعلم بما دار في هذه المزرعة، يدري خبايا موت صديقكم، يدري بأمر الأوراق، فهو الذي قد اقتلعها من دفتر “طاهر ” يعلم أيضا بأمر مرضك، ويعلم أيضا بأنك تجلس بالقرب من قن الدجاج .. لكن قدماه قد توقفتا تجمد الدم صدره يختلج لا يستطيع التقدم ، لا يستطيع التأكد من صحة وجودك الصمت مخيم جدا سينتظر على بعد خطوات أن تدلّه إليه أنت يتملكك قرين قرينان قرينك وقرين آخر، تعلم لمن هو تتحرك مجددا، قدماك تنتفضان بدون إرادتك، الأشجار متشابهة، أشجار السرو الكبيرة، والظلمة، والقرينان، وأنت .. في عالم، وخالد في عالم آخر، ما يفصلكما قليل تسقطُ مجددا قرب شجرة صغيرة، تبتلعك ظلمتها، يتسلل البرد مجددا، تنتابك تلك الأحاديث الليلية الشغوفة، أنت وخالد و صديقكم .. كيف كنتم تنامون باكرا، كيف كانوا يوقظونكم باكرا، كيف كان يبتلعكم البرد والظلام والحر والقسوة، بالرغم من فرحكم الذي لا ينفك، إلى أن “قضى أحدكم نحبه ” هكذا يشير خالد للموت .

-ما معنى أن تعيش بملجإٍ للأيتام يا سامي؟

– هو أن تفرح بالرغم مما يصيبك.

تتذكر اليوم حين سألك صديقك هذا السؤال، وأجبته لتخفف عنه وطأة الشقاء، ويا ليتك لم تفعل.

تتذكر فجأة سنون المعاناة التي جاهدت كي تنساها تجلس القرفصاء، تتوسد ركبتيك وتحتضنهما، تإنّ بحرقة، يستهويك الصراخ، هنالك لذة في صراخك، قرينك يخبرك هذا،، تطلق العنان أخيرا لأعصاب معدتك، تنفلت العُقد العصبية التي بمخك، ينفلت الصوت، ينفلت خالد مسرعا للغابة أخيرا نحوك، يجدك، يتحامق معك قليلا بينما يغطيك بالرداء، يتحامق ليخفي الرعب الذي يستهويه هو الآخر، يخاف أن …. يخاف معانقة الألم مجددا.

بالصباح ، وهم يبحثون عنكما، استيقظتما تضحكان، تذكرتما حين كنتم تهربون من الملجإ ليلا فتعودون صباحا وهم يبحثون عنكم لكن بالليل حين أخبرته .. والشفاه تنتفض، همست في أذنه بعد أن بحّ صوتك

“قتلوه … طاهر لم ينتحر كما أخبرونا “