الأخبار

ماذا يعني أن تكون كاتبا؟ بقلم: نادية الأحمر

سيتوجب عليك الإكتفاء بالصمت ومعاملة الأحرف كأشخاص، ستتضارب حياتك بأوهام كتبتها، ستتخيل أنك قمت بما عليك ورددت بأفضل طريقة وتعاملت بطريقة تتمناها مع الناس، لكنك تسكن خيالك مع الأحرف والكلمات لم تقابل أحدا وستجد نفسك لم تعش شيئا فقط توهمت ذلك وتغلغلت.

وتستمر سفينة السراب في الإبحار بك، وما أنت إلا شمعة ستهبك رياح الحقيقة لتطفئك وتغرق سرابك، ولكن ليس إلى الأبد فالكاتب لا ينطفئ.. فبعد كل غفوة تمتد لثوان ربما وغالبا دقائق ساعات أو أيام يصحوا من الحقيقة ليقاد طوعا لعالمه المدجج بمليون كذبة.

الكاتب إنسان غريب يحب التواجد بين الناس بصمت، يحلل ما يراه يدرس الأحاديث الإعتيادية الرتيبة والمحاضرات المعقدة ليستخرج إحساسا أو حقيقة أو شخصية جديدة، أن تكون كاتبا يعني أنك إنسان صبور تسبح في فضاءات الأحلام.

بطبيعة الحال الكاتب إنسان ملغم، متضارب المشاعر والأقوال لن تفهمه لأنه في الحقيقة لا يفهم نفسه لأنه أساسا يعيش طوال حياته دارسا لنفسه، كفأر تجارب يستشرب المشاكل والطاقات من الأشخاص المحيطين ليمرن نفسه على استحضار المشاعر متى أرادها، لأن الكاتب ليس سوى آلة بشرية تبتلع عالمها المحيط لتخرج كلمات تشعرها بشعور التقيؤ والخواء فتعود لتلتهم عالمها من جديد.

يمر كل كاتب بفترة ركود على عدة مراحل في حياته الكتابية، خلال هذه المخاطرة الغير مرغوب بها مطلقا هناك نتيجتان محتملتان إما أن يصبح الكاتب أكبر موهبة وسلسا أكثر في كتابته أو قد يقاد للهاوية وتمحى هويته ككاتب إلى الأبد. لكل كاتب أسلوبه، فبعضهم يجعلك تبكي وبعضهم يستخرج أسوء ما فيك من سوء بشري والبعض يصعق عقلك الذي ركنته وآخرون يعيدون لك الأمل ويرتبونك وآخرون يعشقون الوصف لتعيش ألف حياة بينما تقلب صفحاتهم والبعض يزرعون فيك الرعب والألم وألف شعور إنساني لم تغدقك به الحياة، الكاتب إنسان مسيطر يتحكم بك يسلبك أصدق مشاعرك أو يهبها لك دون عناء.

الكاتب ليس شخصا جيدا أو سيئا بل مزيجا سحريا في غاية التعقيد ستقرأ له أصدق التعابير وكلاما يبهرك لكن ما إن تجلس معه ستكرهه لن تطيقه..

ستجده إنسانا صامتا محدود العلاقات يحشر نفسه مع البشر كما يحشر الزيت نفسه بالماء ففي النهاية الكاتب شخص غير محبوب إلا من الأطفال، الكاتب عاشق فريد على الورق وعلى الأرض أبله مختل لا يستطيع ترتيب الأحرف أمام من يحبه.

يعيش الكاتب حربا في عقله وقلبه شالا الجسد مدى الحياة، كل الأحداث بالداخل إن لم يتيقأها سينفجر.