الأخبار

قبل أن تهاجمنا التكنولوجيا بقلم : هاني هويدي

أكره الراب والأغاني القصيرة والبلوتوث والنصف الفارغ من البطاطا “المبطنة”…أكره الموديلات الحديثة والجوارب القصيرة وست البيت وأكل “العصيدة” بالملعقة والرموش والأظافر الصناعية وكل شيء يُخفي الحقيقة..
كم كنا بسطاء قبل أن تهاجمنا التكنولوجيا ، قبل أن نلبس ثوب التحضر ونتفقد وجوهنا على شاشة النقال عوضاً عن المرايا ، تلك التي كنا نظن أنها تحفظ وجوهنا..
كم كنا أنقياء عندما صدقنا أن النوم بالجوارب سيؤدي للعمى ، وأكل التونة مع الحليب سيُصيبنا بالتسمم ، من منا لم يُجرّب الخبز بالشاي والأرز المقلي داخل لفافة ورق تُشبه السيجارة ، كنا نلاحق بائع المثلجات ونشعر بنشوة الانتصار عندما نصل إليه وأعيننا على العربة ، كما أننا نثقب عُلب الحليب الفارغة التي أكلها الصدأ لنصنع بها عربات ، ومن دون أن نكلف أنفسنا عناء وضع حجر الأساس والوعود الزائفة ، نُنشئ لها طرقاً بالطوب تحملنا إلى عالمٍ آخر ، عالمٍ مليء بالسعادة ولا ننام ، لا ننام أبداً إن لم تكن بجانبنا..
ما أجمل تلك الأعياد عندما كانت سبباً مقنعاً نقتحم به منازل الجيران لنحصل منهم على بعض الحلوى والكثير الكثير من الفرح ، كم دائرة شكلنا ولعِبنا “فتّحي يا وردة” ، كم يداً نبتت في قلوبنا لتربط بعضنا ببعض ، ونختبئ عن الحزن ولا يرانا عندما نلعب الغميضة..
كنا نجتمع في بيت الجد وننام في غرفة واحدة في صف واحد حتى تُصبح الغرفة أشبه بعلبة كبريت إلى أن اقتحمتنا السامسونج و النوكيا والسراويل المشروخة والأسقف المعلقة وآلات التدليك والتيك توك..
لم تنجح كاميرات المراقبة والأقفال المشفرة والأبواب الحديدية في منع اللصوص من اقتحام المحال التجارية ، بينما كانت عصاً خشبية تتوسط الباب تنجح في هزيمة رغباتهم آنذاك..
خدمات التوصيل أفقدتنا متعة التسوق والموبي كاش سرقت منا السعادة في عد النقود..
النقود التي تجعلنا نمسح على جيوبنا فقط لنطمئن أنها موجودة ونفكر ألف مرة في شراء شيء لا نندم بعدها في انفاقنا لها.. ما الذي حدث ؟ كيف نعود لتلك الأيام ، كيف نُنظف النوايا التي اتسخت ، لكن لا شيء يدوم لا شيء سوى الحزن على فراق الأحبة والذكريات الجميلة ، تلك التي تسافر بنا عبر الزمن وتنظف أرواحنا من مخلفات الحرب وقطع الأرحام والظنون السيئة..