الأخبار

متأخرون دائماً بقلم: ميرال الصالحين

متأخرون دائماً لا يصِلون إلا وهو يضع الْحبل حول عنقه ، أو بعد دَفْعِهِ لِلكُرسِي ، وهو يقفُ على حافةِ السَّطح ، أو بَعد سُقُوطِهِ للهاويه ، وهو يَحْتَضِر أو بعد موته !

جميعهم متأخرين ، لاَ أحد يُلاحظ تِلك العلامات! ، التصرفات الْغريبة عن عادته تِلكَ الَّتِي يفعلها المرءُ ورُوحهُ تَصْرُخ مُسْتَنجِدة ” أنقذوني ، لَستُ بِخير ” لا أحد يُلاحظ تنهيداتك الْمستمرة ، ولا شُرُودَ ذِهنكَ وسط الحديث فِي التجمعات، والْمناسبات تنطفِئُ روحُك شيئاً فشيئاً دُون أنْ يُدرك أحد ، عيناك لا تَزال ذات بريق ، لكن لَمْ يلْحظ أحد بأنهُ أصبح بريقاً نَاجِماً عن دُموعٍ مُكتَنزة ، لا شغفاً بالحياةِ كما كان .

ليلة البارحة كُنت فِي جنازة أحدهم سمعتُ قريباته يتحدثنَّ عَنهُ ، قالت الأُولى وهي تَمسحُ دُموعها بِمنديل : ” قبل أسبوعين مررت بجانب غرفته كان جالساً أمام التلفاز يُشاهد كُرة القدم لطالما كان يشاهدها بشغف عيناه معلقتان على الشاشة بحماس يَكاد لا يرمش أبداً كي لا يفوتَه مَشهدٌ ما و بالرغم من أنها كانت إِحدى مُبارايات الْبُطُولة لِفَريقهِ المُفضل إلا أنهُ كان شَارِدَ الذهن لم ينتبه حتى عَلى صوت صُراخ الْجُمهور لإحْرَازِ فَرِيقِهِ هَدَفاً

توقفت الثَّانِية عن النَّحِيبِ وَ قالت : ” قبل أسبوع أعددتُ لهُ الْبيتزا الَّتي يحبها دَائِماً ما كان يَأكُلُهَا بِنهم لا يسمح لأحد بمشاركته ولو بقضمه لكنه لم يمسسها مُعللاً أن لا رَغبَةَ لهُ فِيها”

قفزت الثَّالثةُ قَائلة بِتذكُر : ” قبل ليلتين أستيقظتُ فِي الرَّابِعة فَجراً لشربِ الْمَاء رَأيتهُ جالساً وَحدهُ فِي الظَّلام يُحَملٌقُ فِي الْعدم سَألتُهُ عن سَبب سهره لكنه أجاب بِاللاشيء ”

ضربت قبضتها بندم على طرف الْكُرسِي وقالت ( لقدْ كان يعاني ، ليتني لاحظت ) فِي الحقيقة جميعكم لاحظتم لكن لم يهتم أحد ، فأنتِ أنتهيتي من شرب الماء و عدتي للنوم ، و الثَّانية أكلت تِلكَ الْبيتزا كُلَها بِغير إكتراث ، أما الأُولى فـعادت لتكمل حديثها بِالهاتف ومضت .

لقد ظنوا أن ندباً واحداً لن يَضُر ، لكِنَها كانت نُدوباً كثيرة تتزايدُ كُل يَوم، حَتَّى مزقتْ قَلْبَهُ عن أخِره وتلاشتْ رُوحُه .

لا فائدة الأن ، أتَيتُم متأخِراً مَاعَادَ بِرُوحِهِ مَا يُمكِنُ إِنقَاذُهُ. ( وحدهُ الله الذي إذا أقتربت منهُ شِبراً سيقتربُ منكَ ذِراعاً ،جميعُهم مُتأخِرين ووحدهُ الله الحِاضر ، الباقي، الدائم وحدهُ من ينتظرك وأنت من يتأخر عنه ، عُد لله ، إلجئ إليه )