الأخبار

احـلام تؤجل صـرخـة الـولادة بقلم: نهيلة حنان

تخـدشنـي هـذه الـحـياة و تقـتات مـنـي تـحت ظـل الـذكرى ، فالسمـاء بـسحـابـهـا تـغـطي إبـتـسـامـتـي بأمـطـار مـن الأحـزان الـحـارقـة أمـا الأرض فـتـرميني ألـف مـيـل بـعـيداً عـن سـعـادتـي، هذه الحـيـاة تـجـعـل كـل حـنـيـنـي يـتـدفـق إلـى مـدفأة خـريـفـيـة و أحـلام تـطـلـق صـرخـة الـولادة، جـعـلـت مـن الألـم خـيـال يـركـض بـفـرح فـي وريـدي و ألـم آخـر يـنـسـكـب بـقـطـرات مـاسـيـة فـي أوردتـي ليـوقظ لهيب الشوق فيضرب معـه تـلـك الـجـروح الـمـدفـونـة الـتـي تتـهـاوى فـوق خـلايا جسـدي و التـي تـقـودنـي إلـى سـجـن آخر غـيـر هـذا الـذي أعـيـشـه و أكـابـده، فالألم أصـبـحـت ألـقـاه صـحـوا و حـلـمـا، صـحـواً يـداعـب دمـوعـي و حـلـمـاً يـداعـب جـفـونـي، الـذبـول يـنـهـل مـن مـلامـحـي و الـقـلـق يـزورنـي كـل يـوم أمـا لـهـيـب الـشـوق يـضـرب مـعـي موعـداً مـنـتـصف كـل لـيـلة، فاللـيـل سـيـد الأحزان مـنـذ أن ولـد الـحـنـيـين الأرض ذاقـت بـي ذرعـاً أمـام جحـود مـن الأفـكـار الـتـي تـضـج بـرأسـي و التـي كـست رغـبـتي فـي مـواكـبـة هـذه الـحـيـاة، تـخـدشنـي كـلـما حـاولـت أن أسـرق مـن مـهـارب الـعـمـر لـحـظـة، وكأن كـل الـجـراح تـبـرجـت فـي قـلبـي و كـأنـي أحـمـل وصـمـة عار علـى جـبـيني، سيبقـى جـرحـي فـي مـهـجـة الـروح خـالداً كـخـلود الـشمس و القـمر، كـل نـبـضة فـي دفـق شريـانـي تتـلـفق بالأحـزان، لا حـياة لـي خـارج أسـوار حـزنـي الـمـلتهب الـوقاد الذي جـعـل السواد يـنسكب أسـفـل عـينـي و يجوب مفاصلـي و يغوص أطراف كـبدي، ما عاد فـي قلـبي مـكـان للأسـى فالقلب جريح لا يـمـلك غـيـر آهـات الألـم، صرخات الـعـذاب تنـهش جـسدي الـهـش أمـام هـذا الإعتـصار الرهـيب داخلي ايـام عمـري أصبحـت تـحترق أمـام أحـداق عـينـي، منذ ولادتـي و سكرات الـمـوت تـسري بـيـن الـحـنايا فـي العروق لـحـد أن أصبح المـوت أمـلي الوحيد رغم أن قلبي متعـطـش لـلحـياة، لكن هـذه الـحـياة لـم تـسقنـي إلا مـرها بل طعناتهـا المتكررة أودت برغـبتي فيها، جميع الفـصول ولت و حزني الـعـتيد أضـحـى الـفصل الـعنيد الذي يـنـتـحـب له كـف عـمري بينما القلـب ملتهب لإيقاف هـذا النزيف، إلا أن الألم الـمتـأجج أعمـاق هـذا القـلب يـنـساب و يذيب بزوغ أي أمل، أنتظر قـدوم اللـيل الذي يـأتـي مصـاحـبـاً لهزيعه و يحرك فـي وجداني شـجون من الأهات، بيـنـمـا الـخـوف مـتـضرع عـلى أشـرعتـه أمـام كـل ذلك الـظلام الـمقيت، كل هذا تـشهد عـلـيه وسادتـي التي يسـكـنها الـيـأس و تـمـلؤها الـدموع مـن كـل جـانب كـمـا الأحلام التـي يبدو أنها لـن تطلـق صرخة الـولادة يومـاً ستظل غافية على وسـادتي طـويلاً، معاركي مـع الـحـياة لا تـنـتـهي إلا بـنـومـي ولا تـوقظها إلا خـيـوط الـشـمـس الـمتسللة من شرفة غرفتي الممزقة الستائر حـقـيـقة بدأت أنـسـى طـعـم السـعادة الـتـي لـم أتـلذذ نـكهتـها طويـلاً، أتساءل أحـيـاناً كـيف يـعـيـش أشباهي الأربعون هل حـياتهم مكسوة بالضجر مـثلي، يـخـيل لـي أنني تـركت جزءاً مـنـي ذات مـكـان معلقـاً في سنوات عمري الماضية، تركت تلك الأيـام جرحـاً غـائراً عـمـق صـدري، لا أدري كـم يلزمـني مـن الـوقت لأتحدث عن تلك الأيـام الخوالي دون أن أجـهش بالبكـاء، لكن حتمـاً ستبقـى فـي جـعـبـتـي ذكـريات سـأحـمـلها مـعـي فـي ذاكـرتي أينـما حـللت وإرتحلت اود أن أعـود للـسـير بـمـحـاذاة الأيام دون التـوقف في منـتصفها هذه أول رغـبـاتـي و أخـرهـا، مازلت أبحـث عـن ذلك المنـفذ الذي يـخـرجنـي من عـتمتي الـمقيتة التي رمتني فيها الحياة رمية مـوجعة، هذه الرمـيـة لـم تـجـعلنـي أنـزف دمـاً بقـدر مـا نـزفت هـمـاً و الماً و قهراً و حزنـاً، لـم أعد بتلك الـقوة الـتـي يـعـكسها نـاظري، أصبحت غير قادرة عـلـى إخـفـاء أنـيـن فـؤادي الـمـنـتحـب أو رفـوف جروحـي التي تفضحها مدامعي، هذه الحـيـاة جحـيم دائم قتلت ما في جـوفي مـن أمـل كما قتلت حاضري ومستقبلي الـمركون على قارعة الـسراب، فقدت شهيتي بها بقـدر مـا تـجرعت مـنـهـا مـا يـكـفـي مـن التـعاسة و البؤس، بـرودتـها أصقعت مـشاعري وأطفأت روحـي، جـسدي الـمـنهك و قـلبي المرهـف بـحـاجة لـركن صغير بعيدا عن أعـين الجـمـيع لمصاحبة أفكاري الصاخبة، الأماكن الصغيرة تعيد للنبض محياه وتحتوي الجروح النازحة، أنتظر واتطلع إلى وقت شروق امل من غياهب المـسـتقبل.