الأخبار

أعتقَنِي الأسى ■ بقلم: أمير الكردي

في محطّة معيّنة في رحلتك مع الدنيا،

ومرورك بمختلف الفترات انطلاقاً من

مهدكْ، وطفولتك ومراهقتك وشبابك، حتّى

نُضجك.. وعبر سنواتٍ ارتطمت ببعضها

الواحدة تلو الأخرى دون انتظار، ارتطمَت

على التوالي وكأنّها عرباتُ قطار مُسرعٍ

انفصلت عن بعضها، لتُسرع الأولى فتتبعها

الثانية، فالثالثة، فالرابعة، وهكذا تباعاً،

وما أن تتوقّف أولاها حتّى تصطدم بها التي

تليها، ثم يأتي دوركَ لتفهم الدنيا وشقاءها،

وتلك اللحظة، التي تعي فيها أن لا خلاص

لك إلا نفسك، وأنّ داء الحزن إن لازمكَ قد

يتفشّى بداخلك ويستوطن، وينمو جنيناً حتّى

ينضج ويفتك بك، حسناً! أتدري ما معنى أن

يصفعكَ الحزن؟ هل جرّبت أن تتحوّل في

نقطة غير محدّدة إلى إنسان آخر لم تكن

تعرفه؟

هذا الإنسان الذي قد تُصبحه – في يومٍ

وليلة – ليس مزاجيةً أو حماقة، عليك أن

تدرك جيّداً بأنّ هذه النقطة من التحوّل

وهذا الإنسان الذي استحَلته من الذي كنته

في سالف أيّامك؛ هو ذاته جنين الأسى الذي

نما داخلك في صمت.

كنتُ حبيس تلك الفكرة شخصياً، أو ذاك

التفسير الذي بدا لي منطقياً في البداية،

لأكتشف بعدها قصّة الجنين الذي كان ينمو

بداخلي، ويترعرعُ في حنايا قلبي، ولكن لم

يكن هذا الأمر هو المخيف فعلاً، المُرعب

في الأمر كان عندما نضج ذاك الجنين،

جنين الأسى، وبدأ يصفعني، ويفتك بي،

ويُهلكني مراراً وتكراراً، حتّى تكوّنتُ بتلك

العجينة التي مررتُ بها في تلك الفترة،

وعندما بدأت الغوص في عمق ذاتي،

وتفسير كلّ شيء على حدة، انطلاقاً من

فكرة «لماذا أشعرُ بالحزن؟ « ، » أيستحق

الأمر كلّ هذا العناء؟ » وأيضاً التمعّن في

الحياة والناس والأشياء والشعور؛ كانت

حصيلتي من رحلتي في الغوص تلك آنذاك

كبيرة جداً، ومُرضية بالنسبة لي، فخرجتُ

حراً، طليقاً.. كطيرٍ لقط أنفاسه الأولى

خارج القفص، وأدركتُ تماماً حينها؛ أنّه قد

فُكّ وثاقي مِنَ الأسى.