الأخبار

أسطورة الموناليزا…بقلم: د. الصديق بودوارة

(1)

تشبهين حزن السيدة « ليزا جوكوندو .. »
لكنك تشبهين روعة جمالها أيضاً .
فهل تسمحين لكهلٍ في خريف عمره أن يروي
لعينيك بعضاً من حكاية الحزن إذا امتزج بروعة
الجمال ؟
«حزنٌ بروعة الجمال »
ربما لهذا أفتقد مذاقاً كنتُ أتحسسه في الحزن
..
لأن حزني يشكو منذ ألف سنةٍ ، و يزيده غيابُ
جمال عينيك عنه.
ربما لهذا أصبح وجعي بحجم جبل ..
أو هو بمسافة دهر ..
أو .. ربما .. أبدياً ككلمةٍ سبقت من إلهٍ مقتدر.
(2)
تشبهين حزن السيدة « ليزا جوكوندو .. »
وتنتمين إل‡ى تلك النظرة الآسرة في عينيها
الغامضتين ..
وتشتركين معها في ملايين التفاصيل ..
سوى أنك تسالين عني كلما غبت ..
وتهتمين بي كلما أهملتُ نفسي ..
وتبكين من أجلي عندما تخذلني الدموع.
(3)
تشبهين حزن السيدة « ليزا جوكوندو .. »
تلك السيدة التي أدخلها زوجها التاريخ ذات يوم
فأصبحت تاريخاً للروعة ..
وأصبحت مسرحاً للغموض عندما يتعلق الغموض
بما لا نصل إليه ..
وأصبحت منهجاً للغزل ..
كلما عجزت اللغة عن التفوه بكلمة غزل واحدة
في حق من نحب.
(4)
أشعر الآن بالعجز سيدتي ..
وأنا أحاول أن أطارد الحروف لعلي أصنع منها
قلباً من ورقٍ ملون
يحترق بعد اكتمال تكوينه على عتبة وهج
المصابيح.
(5)
تشبهين حزن السيدة « ليزا جوكوندو .. »
تلك التي أدخلها زوجها التاريخ ذات يوم ..
عندما طلب من «ليوناردو دافنشي » أن يقوم
برسمها ..
وهمس له قائلاً :
أريدك أن ترسمها ..
سيدتي .. ليزا ..
لقد كان ينطق الكلمة بالايطالية آنذاك ..
لذلك ..
كانت الكلمة التي حفظها العالم عن ظهر قلب ..
مونا ليزا ..
«سيدتي .. ليزا .. »
كما أهمس لك بها الآن .
أليس رائعاً أن أهمس لك الآن سيدتي ؟
(6)
حدث الأمر منذ أكثر من خمسمئة عامٍ من الآن
..
كان السيد «فرانشيسكو ديل جيوكوندو » يريدُ أن
يتودد إلى حبيبته
ولأنه كان يعرف جيداً روعة أن يتودد المرء إلى
من يستحق أن تتودد الدنيا
إليه ..
فقد اختار أن تكون مودته خالدةً كحكايات
الأساطير ..
طويلة العمر كأعمار الأنذال ..
عميقة المعنى كعينيك ..
ألم أخبرك من قبل أن عينيك عميقةً كمياه
المحيط ؟
ها أنا أخبرك الآن ..
وها أنا أتورط في تشبيهٍ بالغ الروعة
وأنا الذي لا أعرف من عمق المحيطات سوى ما
رأيته في عينيك سيدتي.
(7)
تشبهين حزن السيدة « ليزا جوكوندو .. »
تلك التي تحولت من سيدٍة مهيبة
إلى أسطورٍة تتباهى بها المتاحف ..
ويتطلع إلى نور وجهها البشر ..
أليس رائعاً أن يتطلع إلى نور وجهك البشر
سيدتي ؟
(8)
تشبهين حزن السيدة « ليزا جوكوندو .. »
تلك التي كان منتهى أمل مبدعها
أن يعلق لوحتها على جدار قصر ..
أو يهديها إلى صاحبتها في عيدٍ بهيج ..
لكن الزمن أراد لها مصيراً آخر ..
وقرر أن يعلقها العالم قلادةً من ذهبٍ على صدره
وشمساً من فتنة ..
لا تغيب عن الدنيا كلما غابت الشمس .
(9)
تشبهين حزن السيدة « ليزا جوكوندو .. »
وتشبهك ابتسامتها ..
تلك التي توشك على البكاء أحياناً ..
وعلى الضحك بعض الأحيان ..
وعلى الحزن في كل وقت ..
أليس رائعاً أن تشبهك ابتسامة الموناليزا سيدتي
؟
أليس مذهلاً أن أكتب لعينيك المزيد دائماً ؟
وأن أنسج من أجلك الحروف ؟
وأن أكتب لك بلا توقف ..
منذ ولادة الحبر على أطراف أصابعي ..
إلى مغيب شمس هذا العمر .. ؟
هذا العمر الذي يبتسم لي الآن ..
فقط ..
لأنك مررت بباله اليوم سيدتي .
أو .. ربما لأنه سمعني أهمس لك منذ برهة بهذه
الجملة الفاتنة :
«تشبهين حزن السيدة « ليزا جوكوندو »!! .