الأخبار

مُصلح السّاعات

صفاء يوسف

أبلغُ من العمرِ سبعين عاماً، هذه حِرفتي منذُ أن كنت شاباً يافعاً بعينَين شدِيدتي التّركيز, لازلت مُحترفا وأفضل من يُصلح السّاعات في الحي بشهادة أهلِه… لم أتَماطل في يوم وَاحد عن إصلاح أي ساعة تأتِيني … يتطلب الأمر الكثِير من الدّقة ، ويدان رشيقتا الحركة ,  كنت دائماً ما أركز على الزمن الذي وقفت عنده هذه الساعة المعطّلة أكانت لحظاتهُ سعيدة في وقتها أم أن تِلك اللحظات أوقفت زمن حياته، أحيانا زمن كوننا نعيش في الحياة يتوقف بفقدان عزِيز…. بينما الحياة بأكملها تسير والزمن لا يرحم ، تلتهم عقاربهُ الأرقام واحدا تلو الآخر غير مدركة أنّه يمر من عمرِنا عمر ، جاعلة من الساعة تبدو كَثوان للسعيد، وثقيلَة طويلَة على من كبّل الحزن قفص صدره أو للمكبل بالانتِظار ، أما أنا كم تمنّيت تأخير زمن وفاة زوجتِي ، تلك اللّحظات، كانت الساعة الحادية عشر صباحاً وخَمسة وعشرُين دقيقة … لم أستطع إصلاح الساعة في وقتها أردته أن يرجع للوراء قليلا ثلاثوُن دقيقة فقط قبل تِلك الحادثة، ربما كنت قد أدركت الموقف , ربما كنت لن أتركها تذهب لوحدها لذالك الشّارع  …ربما لو أصلحت الزمن وأخّرت الوقت إلى نصفِه نصف ساعةٍ فقط كانت لتكون كفيلة بإبقاء زوجتي معي الآن … من يومها وأنا أمكُث في المنزل ، أُصلح الساعات لساعّات كل ساعة تأتني آخِرُها ثلاثوُن دقيقة إلى الوراء ، ثلاثوُن دقيقة فقط كفيلة بجعلي أتخيّل أنّني أنقذتُ الموقف… يصاحبها سؤال صريح لصاحب الساعة عندما توقفت كيف كنت أنت وقتها ? رأيت أنّ الثلاثين دقيقة، يتمناها الجمِيع ، الكل يتمنى الثلاثين دقيقة قبل التّفوّه بتلك الكلِمة التي ربما آذت أحدهم، أو قبل التصرف بذاك التصرف…ثلاثوُن دقيقة كفِيلة بإلغاء عقد قران لِزواج فاشل…  أو بالإفصاح عن ذاك السؤال قبل أن تنتقل المُعلمة إلى النقطة الأخرى …أو قول كلام ندمناَ بشدة على كتمانِه…هي ثلاثوُن دقيقة فقَط ربّما كانت كفيلة بإدراك موقف ما.. كان ليكون على غير ما هو عليه أو ربّما أيضا …قبل أن تخرِب ساعته …